هندسة طبية

كيف يعمل جهاز الرنين المغناطيسي MRI؟

عمل الطبيب العالِم الدكتور رايموند داماديان (Raymond Damadian) على مدار العديد من السنوات لإنتاج آلة قادرة على إجراء مسح غير باضع (noninvasively scan) للجسم وذلك باستخدام المغانط، وقام الدكتور داماديان بمساعدة من بعض الطلاب المتخرجين ببناء مغناطيس فائق الناقلية على شكل ملف من أسلاك الهوائيات. وبسبب عدم رغبة أي شخص في أن يكون أول من يدخل هذه الأداة الغريبة، تطوع الدكتور داماديان ليصير أول المرضى ،لكنه عندما دخل إليها لم يحصل أي شيء، فبدأ الدكتور داماديان بإعادة النظر بالجهد الذي بذله في السنوات الماضية. حتى يحصل بالنهاية على هذا العمل الفاشل؟

بالطبع لا، فقد اقترح أحد زملائه بشجاعة أن تلك الأداة قد تكون كبيرة جداً بالنسبة لآلة. وبعد ذلك، تطوّع طالب متخرج ليحاول الأمر بنفسه، وفي 3 يوليو/تموز 1977، أُجري أول اختبار MRI على إنسان، وتطلّب الأمر حوالي 5 ساعات لإنتاج صورة واحدة، وحصلت الآلة الأصلية على لقب “الجهاز الذي لا يُقهر”، ويملكها الآن معهد سيمثسونيان.

نما استخدام ماسحات التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) بشكلٍ هائل في غضون بضع سنين، إذ يعتمد الأطباء على مَسْح الرنين المغناطيسي في تشخيص تصلب الأنسجة (sclerosis)، والأورام الدماغية الخبيثة (brain tumors)، وتمزق الأربطة (torn ligaments)، والتهاب الأوتار (tendonitis)، والسرطان (cancer)، والسكتات الدماغية (strokes)، وكل هذا غيضٌ من فيض.

تُعتبر طريقة التصوير بالرنين المغناطيسي أفضل الطرق لمشاهدة ما يحصل داخل جسم الإنسان دون جرحه أو فتحه. لكن عندما تستعد لإجراء فحص MRIقد يبدو الأمر غير مريح كثيراً ؛ فيجب خلع المجوهرات وإبعاد بطاقات الائتمان ويُطرح عليك أسئلة مفصّلة حول الأجهزة المعدنية التي قد تكون موجودة داخل جسدك. بعد ذلك سوف تُوضع فوق لوح وتُدفع داخل ثقب بالكاد يبدو مناسباً للسماح لشخص ما بالعبور.

ومن ثمَّ، ستتعرض لضجيج مرتفع، وعليك الاستمرار بالإستلقاء بشكلٍ مثالي، وإلا سوف يُعيدون الاختبار من جديد. في كل دقيقة تمضي أثناء وجودك داخل هذه الآلة ما عليك إلا أن تتساءل فقط عمّا يحصل لجسدك ، ولا يسعك حتى المساعدة بشيء. فهل يُمكن حقاً لمثل هذا الإختبار أن يكون أفضل من تقنيات التصوير الأخرى مثل الأشعة السينية أو مسح CAT؟ وما الذي فعله رايمانود داماديان؟

مكونات نظام ماسحات التصوير بالرنين المغناطيسي

تختلف أحجام وأشكال ماسحات التصوير بالرنين المغناطيسي، وتتمتع بعض النماذج الحديثة بقدرة أكبر على الإنفتاح عند الجوانب، مع ذلك، استمر التصميم الأساسي في الوجود. حيث يُدفع المريض داخل أنبوب يبلغ قطره حوالي 24 إنش (60 سنتمتر). لكن ماذا يُوجد هناك؟

يُعتبر المغناطيس أكبر وأهم مكونات أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. هناك أنبوب أفقي _هو نفسه الأنبوب الذي يدخله المريض_ يجري داخل مغناطيس. يُعرف هذا الأنبوب بالتجويف (bore). لكن ذلك المغناطيس ليس عادياً أبداً؛ فنحن نتعامل مع نظام قوي بشكلٍ استثنائي هنا، وهو نظامٌ قادر على إنتاج حقل مغناطيسي مستقر وكبير.

تُقدر قوة مغناطيس نظام MRI باستخدام وحدة تُعرف بالتسلا (tesla)، وهناك واحدة أخرى أكثر شيوعاً وتُعرف بالغاوص (gauss)، علماً أن كل 1 تسلا يساوي 10 آلاف غاوص. تخلق المغانط المستخدمة حالياً في أجهزة الرنين المغناطيسي حقلاً مغناطيسياً يتراوح بين 0.5 تسلا و2 تسلا، أو 5 آلاف غاوص و20 ألف غاوص. وعندما تُدرك أن شدّة الحقل المغناطيسي الأرضي هي 0.5 غاوص، يُمكنك حقاً أن تتخيّل مدى قوة هذه المغانط.

تستخدم معظم أنظمة MRI مغناطيس فائق الناقلية (superconducting magnet) يتألف من العديد من الملفات أو لفّات الأسلاك التي يجري داخلها تيار كهربائي، مما يؤدي إلى نشوء حقل مغناطيسي تصل شدته إلى 2 تسلا. وللحفاظ على حقل مغناطيسي بهذه الشدة، نحتاج إلى وجود كمية كبيرة من الطاقة، هو ما يمكن الوصول إليها بالاعتماد على الموصلية الفائقة، أو بتخفيض مقاومة الأسلاك إلى الصفر تقريباً.

للقيام بذلك، تكون الأسلاك وبشكلٍ مستمر مغمورة داخل سائل الهليوم عند درجة حرارة 452.4 فهرنهايت دون الصفر (269.1 درجة سيلسيوس دون الصفر). تُعزل هذه البرودة بالاعتماد على الفراغ؛ وفي الوقت الذي تُعتبر فيه المغانط فائقة الناقلية مكلفة جداً، إلا أن الحقل المغناطيسي الشديد الناجم عنها يسمح بالحصول على صور عالية الجودة، وتُحافظ الموصلية الفائقة على عمل النظام بشكلٍ اقتصادي.

الأجزاء الأخرى من آلة التصوير بالرنين المغناطيسي

تتطور أجهزة MRI بشكلٍ سريع وتصبح صديقة للمرضى. على سبيل المثال، لا يُمكن للعديد من الأشخاص الذين يعانون من اختناقات، التواجد داخل مناطق ضيّقة، وأيضاً قد لا يكون التجويف مناسباً للناس المصابين بسمنة مفرطة. لذلك أصبح هناك الكثير من الماسحات الأكثر انفتاحاً، مما يسمح بالحصول على فضاء أوسع، لكن تمتلك تلك الآلات حقلاً مغناطيسياً أضعف، مما يعني أنه قد يفوتها تصوير أنسجة غير طبيعية. وبالإضافة إلى ذلك، طوّر الباحثون أجهزة تصوير بالرنين المغناطيسي أصغر من غيرها لتكون مناسبة لتصوير أجزاء محددة من الجسم.

أنجز العلماء أيضاً تقدماً جيداً في مجال حقل التصوير بالرنين المغناطيسي. على سبيل المثال، يخلق التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (Functional MRI) خرائط دماغية لنشاط الخلايا العصبية ثانية بثانية، ويساعد الباحثين الحصول على فهم أفضل لكيفية عمل الدماغ. وأيضاً يخلق نظام التصوير بالرنين المغناطيسي للأوعية الدموية (Magnetic resonance angiography) صوراً لتدفق الدم، والشرايين والأوردة داخل أي جزء من أجزاء الجسم.

يُستخدم إثنين من المغناطيس آخريَن في انظمة MRI للوصول إلى توسعة أكبر لعمل الجهاز، وهي المغانط المقاومة (Resistive magnets) المشابهة للمغانط فائقة الناقلية لكنّها تفتقر إلى وجود سائل الهليوم، ويعني هذا الفرق أنها تتطلب وجود كمية كبيرة من الكهرباء، مما يجعلها مكلفة جداً للعمل عند حقول مغناطيسية أكبر من 0.3 تسلا. وأيضاً هناك المغانط الدائمة (Permanent magnets) التي تتمتع بوجود حقل مغناطيسي ثابت، لكنها ثقيلة جداً بحيث أنه من الصعب بناؤها للحفاظ على حقل مغناطيسي كبير.

إضافة إلى ما سبق هناك مغانط تدريجية داخل آلة MRI، وهذه المغانط أقل قوة بكثير مقارنةً بالحقل المغناطيسي الرئيسي، وقد تتراوح شدتها بين 180 غاوص و270 غاوص. وفي الوقت الذي يحصل فيه المغناطيس الرئيسي على حقل مغناطيسي شديد ومستقر حول المريض، تسمح المغانط التدريجية بوجود حقل متغير يساعد في مسح الأعضاء المختلفة من الجسم.

يتكون جزء آخر من أنظمة MRI من مجموعة من الملفات التي تُرسل أمواجاً راديوية التردد داخل جسم المريض. هناك أنواع مختلفة من الملفات للأجزاء المختلفة من الجسم: الركبتين، والأكتاف، والمعاصم، والرأس، والعنق، الخ…

في العادة، تتشابه تلك الأجزاء المختلفة من الجسم مع بعضها والتي يتم تصويرها، أو على الأقل تكون قريبة جداً منها أثناء إجراء الاختبار. وبالإضافة إلى ذلك، تتضمن أقسام أخرى من انظمة MRI وجود حاسب قوي جداً، وطاولة للمريض ليوضع عليها ومن ثمَّ يُدفع داخل التجويف. ويُحدد دخول المريض إلى الجهاز بدءاً من رأسه أو من قدمه، ويعتمد الأمر على أعضاء الجسم التي نريد اختبارها. وحالما يُصبح الجزء الذي نُريد مسحه في مركز الحقل المغناطيسي تماماً، يبدأ المسح بالعمل.

اظهر المزيد

Mahmoud Ibrahim

مهندس طبي حيوي و مصمم مواقع مؤسس موقع المهندسين الطبيين السودانيين ، مهتم بالتعريف عن الهندسة الطبية و إثراء المحتوى العربي و مشاركة المنح الدراسية و فرص التدريب لكل التخصصات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى